علي بن أحمد المهائمي
637
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
للسفينة ، ( إذ فعلت به أمه ذلك ) الإلقاء مع ما فيه من خوف الغرق ؛ ( خوفا من يد الغاصب فرعون ) بغضبه عنها . ثم ( يذبحه صبرا ) ، أي : فهرا ، ( وهي تنظر إليه ) ، فذاك أشد عليها من أن يهلكه اليم ، وهي لا تنظر إليه ( مع الوحي ) لا كوحي الأنبياء ، إذ لا نبوة للمرأة ، بل ( الذي ألهمها اللّه به ) ، وإن كانت ( من حيث لا تشعر ) بكونه إلها ما إلهيّا ، بل احتمل عندها كونه وسوسة شيطانية أو نفسانية ، إذ ألهمها اللّه ، ( فوجدت في نفسها أنها ترضعه ) قبل الخوف عليه ، ( فإذا خافت عليه ألقته في اليم ) ، فإنه إن أهلكه اليم في غيبتها أهون عليها ، ( فإن المثل عين لا ترى ، قلب لا يفجع ) ، فإن فجعه حينئذ كما لا فجع ، فإن خافت من ذلك أو حزنت ، ( فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ) ، ومع ذلك لا يعتد بهذا الخوف والحزن ، إذ ( غلب على ظنها أن اللّه ربما رده إليها لحسن ظنها به ) ، إذ علمت بالسماء من قدماء بني إسرائيل أن اللّه عند ظن عبده به ، ( فعاشت ) أي : طاب عيشها ( بهذا الظن ) الموجب لها رجاء ( في نفسها ) مستقرا . ( والرجاء يقابل الخوف ، واليأس ) الموجب للحزن ، فكأنها لا تخاف أصلا ولا تحزن ، وقد ازداد في شأنها هذا العيش ، إذ ( قالت حين ألهمت لذلك ) القول إلهاما تامّا ورؤية إرهاصاته من عدم احتراقه في التنور المصطلي : ( لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يده ، فعاشت ) أي زادت طيب عيش ، فزال ما تبقى فيها من أثر الخوف ، ( وسرت ) فزال ما بقي فيها من أثر الحزن ، فصار ذلك ربطا على قلبها بعد ما كادت تبدي لما فيها من الخوف والحزن ( بهذا التوهم ) ، وقوي ما في حقها ، فصار بمنزلة الظن ، ولكنه ( ظن بالنظر إليها ) أي : إلى اعتقادها في الوقت ، ( وهو علم في نفس الأمر ) ؛ لأنه محقق عند اللّه ، إذ كان هو الواقع ؛ ولذلك سماه اللّه وحيا بمعنى الإلهام ، فقال : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ إلى قوله : وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 7 ] . [ ثمّ إنّه لمّا وقع عليه الطّلب خرج فارّا خوفا في الظّاهر ، وكان في المعنى حبّا في النّجاة ، فإنّ الحركة أبدا إنّما هي حبّيّة ، ويحجب النّاظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك ، وذلك لأنّ الأصل حركة العالم من العدم الّذي كان ساكنا فيه إلى الوجود ، ولذلك يقال : إنّ الأمر حركة عن سكون ؛ فكانت الحركة الّتي هي وجود العالم حركة حبّ ، وقد نبّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بقوله : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف ؛ فأحببت أن أعرف » « 1 » ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .